الشيخ محمد الخضري بك

14

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

بطن من بطون قريش رئيس ثم تناجزوا « 1 » الحرب ، فكان يوما من أشدّ أيام العرب هولا ، ولمّا استحلّ فيه من حرمات مكة التي كانت مقدّسة عند العرب سمي يوم الفجار . وكادت الدائرة تدور على قيس حتى انهزم بعض قبائلها ولكن أدركهم من دعا المتحاربين للصلح « 2 » على أن يحصوا قتلى الفريقين ، فمن وجد قتلاه أكثر أخذ دية الزائد ، فكانت لقيس زيادة أخذوا ديتها من قريش ، وتعهد بها حرب بن أمية ، ورهن لسدادها ولده أبا سفيان . وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيرا ما تشبه حروب العرب تبدؤها صغيرات الأمور حتى ألّف اللّه بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضلالات بانتشار نور الإسلام بينهم . حلف الفضول « 3 » وعند رجوع قريش من حرب الفجار تداعوا لحلف الفضول فتمّ في دار عبد اللّه بن جدعان التميمي « 4 » أحد رؤساء قريش ، وكان المتحالفون بني هاشم ، وبني المطلب ابني عبد مناف ، وبني أسد بن عبد العزى ، وبني زهرة بن كلاب ، وبني تيم بن مرة تحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه ، حتى تردّ إليه مظلمته ، وقد حضر هذا الحلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أعمامه ، وقال بعد أن شرّفه اللّه بالرسالة : « لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد اللّه بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النّعم « 5 » ولو دعيت به في الإسلام لأجبت « 6 » » وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام مبعوث بمكارم الأخلاق وهذا منها وقد أقرّ دين الإسلام كثيرا منها ، يرشدك إلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام : « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق « 7 » » وقد دعا بهذا الحلف كثيرون فأنصفوا .

--> ( 1 ) أي حضروا الحرب . ( 2 ) هو عتبة بن ربيعة أحد ساداتها . ( 3 ) أي تحالفوا ألا يتركوا عند أحد فضلا بظلمه أحدا إلا أخذوه له منه . ( 4 ) يكنى أبا زهير . وهو ابن عم عائشة رضي اللّه عنها ، وكان بدء أمره صعلوكا . وكان مع ذلك فاتكا حتى أبغضته عشيرته ونفاه أبوه ، وحلف ألّا يؤويه أبدا لما أثقله من ديون ، ثم أثرى بعد ذلك فأوسع في الكرم فصار أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية . ( 5 ) الشيء النفيس من الحيوانات وهي الإبل . ( 6 ) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ج 2 ص 291 . ( 7 ) أورده مالك في الموطأ بلاغا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال ابن عبد البر هو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره مرفوعا .